صداقة:
(قصة قصيرة)
_____
صديقي الوحيد في تلك المدينة المُتربة هو عبد الصّمد الجزَّار. يبيع لحم الحصان، وأنا أحبّ كثيرًا كُفتة الحصان.
أشرب معه الشّاي كلّ مساء ونحن نثرثر وندخّن ونلعب الشّطرنج فوق كُونْتْوَار الْجِزَارَة. لا نتوقّف إلاّ إذا جاء زبون، يزن له عبد الصّمد وهو يقول لي متحدِّيًا بسخرية والسّيجارة مائلة في فمه ورمادها أحيانًا يسقط فوق الكُفتة: إن غلبتني هذا الطَّرْحْ فلك ثَلاَثَةْ كيلو كُفتة على حسابي، ويقسم على ذلك بشرفه وشرف أبنائه. إذا كان الزّبون امرأة، يكلّمها بتهذيب شديد خافضًا عينيه إلى أسفل. حين تبتعد يحدّق كلانا في مؤخّرتها الكبيرة، محاذرين أن تلتفت فجأة. يقول لي: إلعب إلعب يا رجل، إلعب.. فنعاود التّركيز ببلاهة في رقعة الشّطرنج.
نادرًا ما أغلبه. قبل أن أذهب إلى غرفتي كلّ ليلة أضع أمامه فوق الكونتوار عشرة دراهم، يلتقطها بفرح ويزن لي بكرم بيده فقط دون ميزان أكثر من قيمة المبلغ بكثير، تعبيرًا دائمًا منه لي عن سعادته بصداقتنا، أقسم أن لا يفعل ويقسم أن يفعل وإلاّ فسيغضب منّي كطفل.
كبرت صداقتنا أكثر فأكثر طيلة سنتين.
أعود إلى البيت، أقلي الكُفتة في الزّيت، أو أشويها، أو أضيف إليها الشَّرْمُولَةْ والبيض، وأتلذّذ وأنا أسمع أغاني الرّاديو وبرّاد الشّاي منعنع وساخن..
في ذلك المساء ذهبت كالعادة. وجدت دكّان عبد الصّمد مقفلا ومشمََّعًا من طرف السّلطة. استغربت!
سألت طفلين كانا يلعبان الكرة وقد جعلا باب الدكّان هو المرمى. قالا لي وهما يلهثان كجَرْوَيْ صَيْدْ: لقد جاء البوليس إلى هنا.. ووضعوا الأصفاد في يديه.. هكذا.. وأخذوه إلى الحبس.. لأنّه.. لا.. يبيع.. كُفتة الحصان.. بل يبيع.. في حقيقة الأمر.. كفتة.. الحمير..
بنميلود المشاغب
No comments:
Post a Comment