تورنوّة رمضان:
(قصة قصيرة)
__
لم أعرف أبدا شخصا واحدا من أبناء حيي أصبح لاعب مضرب أو لاعب غولف.
المساحات الكبيرة لم تكن ملكا لشخص واحد فقط أو شخصين، بل كانت ضفة الوادي كلها ملعبا، وبتعبير أدق تيرانا، يقصده القاصي والداني كموسم حج الهندوس، يقذفون كرة في منتصفه ثم يتبعها الجميع من أجل ركلها في كل الاتجاهات، وليس هناك جمهور يتفرج ويشجع، بل الجميع يلعب. حي بكامله مكون من آلاف الأشخاص ضد حي آخر من آلاف أخرى من الأشخاص، فالوادي لم يكن حكرا على حينا وحده، بل مشاعا لكل العالم.
تبدأ التورنوة مع بداية رمضان، حي أبي رقراق ضد حي دوار الحاجة من جهة، وحي دوار الكرعة ضد حي المعاضيد من جهة أخرى، ويكون مسموحا قانونيا للاعبين استعمال السيوف والشواقير والمُدى أثناء زمن المباراة. إن كنت غير مؤهل لذلك من الأفضل أن تظل في بيتك، فحين تبدأ المعركة على الجميع المساهمة فيها، إذ حين يضرب لاعب لاعبا آخر، يكون من حق متفرج ضرب متفرج آخر، ثم يصير من حق الجميع ضرب الجميع بإيعاز من صافرة الحكم.
صبيحة عيد الفطر تكون هي موعد المباراة الختامية وتسليم الكأس للحي الفائز. الكأس مصنوعة من القصدير المطلي بالصفر محفور عليها بأحرف بارزة: كأس العالم. ثمنها على الأكثر ثلاثون درهما، ينتهي بها المطاف إلى أيدي مراهقِين بملامح مليئة بالسيكاتريسات يضعونها في قارعة الطريق فوق صينية مغلفة ببذلة رياضية لفريق مجهول منادين المارة بلجاجة متسولي صباحِ الجمعة وجارين البنات من جلاليبهن: عاون الفريق.
تنتهي مباراة التورنوة النهائية بغرق شخص في النهر، وقطع أرجل وأيدي لاعبِ حيٍّ من خلاف وسحل لاعب حي آخر وفقء عيني لاعب آخر من الحي الثالث والدوس على بطن لاعب من الحي الرابع حتى الإغماء قالبا عينيه كميت، وسرقة الكأس، واقتحام سيارات الشرطة بالمسدسات والكلاب والقنابل المسيلة للدموع للمعلب، وهرب الجميع متسلقين جبل الرايسي كقطيع هائل من الماعز أو سابحين في النهر كالمارينز في اتجاه ضفة سلا.
أما مباريات لعبة كرة المضرب ولعبة الغولف فتبث فقط في التلفزة أيام الأبيض والأسود وقت الظهيرة القائظة في عز الصيف حين تكون قد تغديت، ولا ترتدي سوى الشورت، وقد استلقيت على اللحاف أو فوق هيدورة لتنام وفي أصابعك الصفراء بالخرقوم رائحة مرق أو رائحة قشور برتقال. تظل تحدق بعينيك في تلك الكرات الصغيرة جدا في الشاشة الصغيرة سعة 14 بوصة تتقاذفها المضربتان أو عصي الغولف
حتى تنام دون أن تفهم شيئا أو تعرف الرابح من الخاسر أو حتى أن ترى الكرة. كانت حقا ألعابا مضجرة لا تسلي أحدا، بعد نهاية التورنوة.
![]() |
محمد المشاغب
No comments:
Post a Comment